خيارات العراق في معادلة التوازُن بين الشراكة الأمريكية والعلاقات مع إيران
2026-07-233240 مشاهدة
تعكس الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن في 14 يوليو/ تموز 2026، تليها زيارته المرتقبة إلى طهران في أواخر الشهر ذاته، مساعي بغداد إلى ترسيخ سياسة التوازن في إدارة علاقاتها مع دولتين متنافستين وتخوضان حرباً لكن تتقاطع مصالحهما بصورة مباشرة على الساحة العراقية.
ويحمل ترتيب الزيارتين دلالة سياسية، تعكس إدراك الحكومة العراقية لأهمية الحفاظ على روابطها التاريخية والدينية والاقتصادية مع إيران، بالتوازي مع استمرار اعتمادها على الولايات المتحدة في مجالات الأمن والاستثمار والدعم الاقتصادي، ما يجعل الانحياز الكامل لأيّ من الطرفين خياراً عالي الكلفة بالنسبة لبغداد.
أثمرت زيارة واشنطن عن نتائج ملموسة تمثلت في توقيع 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم وشراكة تجاوزت قيمتها 60 مليار دولار، تركزت بصورة أساسية في قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والتكنولوجيا. كما تناولت المباحثات ملفات إستراتيجية، من بينها زيادة إنتاج النفط العراقي، وتطوير مسارات تصدير بديلة للحدّ من تداعيات اضطرابات مضيق هرمز، إلى جانب بحث آليات التعاون في مجال الطاقة والنفط مقابل الخدمات.
ومن خلال تعزيز الشراكات الاقتصادية مع الولايات المتحدة والسعي إلى تطوير بدائل في مجال تصدير الطاقة عبر خيارات إقليمية مثل تركيا أو سوريا، تحاول بغداد تقليل هشاشتها الاقتصادية المرتبطة بالمسارات الخاضعة للنفوذ الإيراني، وتوسيع هامش حركتها في مواجهة الضغوط الخارجية، كما تشير الزيارة إلى وجود تفاهمات أمنية تتعلق بملفات رئيسية، أبرزها حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب أمريكي مستمر.
بالمقابل، تأتي زيارة طهران المرتقبة في إطار محاولة الحفاظ على قنوات التعاون مع إيران، خصوصاً في ملفات الطاقة وأمن الحدود لا سيما مع إقليم كردستان والتجارة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العراق يعتمد بشكل كبير على واردات الغاز والكهرباء الإيرانية، ما يجعل العلاقة مع طهران مرتبطة بشكل مباشر بالاستقرار الاقتصادي والخدمي الداخلي.
وتقوم مقاربة رئيس الوزراء على محاولة إدارة التباينات بين واشنطن وطهران، عبر تقديم التعاون مع الولايات المتحدة باعتباره مرتبطاً باحتياجات العراق الاقتصادية والأمنية، وليس جزءاً من اصطفاف معادٍ لإيران، وفي الوقت نفسه طمأنة واشنطن بأن استمرار العلاقات مع طهران لا يعني خروج العراق عن مصالحه الوطنية أو فقدان استقلالية قراره.
ويمنح توقيت زيارة طهران بعد واشنطن الحكومة العراقية فرصة لتعزيز صورتها كطرف يسعى إلى الحفاظ على قنوات اتصال متعددة في ظلّ تصاعُد التوترات الإقليمية. إلا أن هذا النهج يواجه تحديات حقيقية، إذ قد يدفع استمرار التنافس الأمريكي الإيراني كِلا الطرفين إلى مطالبة بغداد بمواقف واصطفافات سياسية.
في حين، يرتبط نجاح هذا المسار بالبيئة الداخلية العراقية، حيث لا يزال رئيس الوزراء يواجه قيوداً ناتجة عن تضارُب مصالح القوى السياسية، ونفوذ الفصائل المسلحة، والاعتماد الاقتصادي، وتعدُّد مراكز اتخاذ القرار.
كما أن تنفيذ تعهدات حصر السلاح بيد الدولة قد يواجه مقاومة من أطراف داخل الحشد الشعبي، بينما يمثل الفساد وتداخُل المصالح السياسية والاقتصادية تحدياً إضافياً أمام بناء مؤسسات أكثر فاعلية، إذ تؤدي شبكات المصالح المرتبطة ببعض القوى السياسية والاقتصادية إلى إبطاء تنفيذ خطة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة، أيضاً إن استمرار ارتباط بعض الموارد والقرارات بمصالح فئوية يُضعف قدرة الزيدي على تحقيق استقلالية أكبر في إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية.
بالتالي إن مستقبل السياسة الخارجية العراقية لن يتحدد فقط بقدرة الحكومة على إدارة علاقاتها الخارجية، بل بقدرتها على تعزيز مؤسسات الدولة وتقليص تأثير ديناميكيات الفاعلين المحليين خارج الإطار الرسمي، وتحويل الانفتاح على القوى الدولية والإقليمية إلى مكاسب داخلية ملموسة. وفي حال نجاح بغداد في ذلك، فإنها ستتمكن من توسيع هامش استقلالية قرارها السياسي، أما فشلها فقد يعيدها إلى دائرة الضغوط والاستقطاب الداخلي.




