جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تعيد رسم خريطة التهديدات الأمنية
2026-07-111026 مشاهدة
Download PDF
مقدمة
برزت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كواحدة من أكثر التنظيمات المسلحة نفوذاً وتأثيراً في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وقد شهدت تطوُّراً ملحوظاً في نطاق عملياتها وعُمْقها الإستراتيجي منذ تأسيسها في عام 2017.
وقد انتقلت من كيان مسلح متجذر محلياً إلى حركة عابرة للحدود، تمتلك قدرات عملياتية واسعة النطاق عبر عدة دول إفريقية، ويعكس هذا التوسع الجغرافي والميداني نتاج التفاعل المعقد بين هشاشة مؤسسات الدولة المركزية، والنزاعات المجتمعية، والحدود المليئة بالثغرات، وتنامي الاقتصادات غير المشروعة.
وقد استفادت الجماعة بشكل مباشر من التراجع في فعالية جهود مكافحة الإرهاب الإقليمية والانسحابات العسكرية الأجنبية المتعاقبة، مما مكنها من ترسيخ حضورها وتوسيع نفوذها الإقليمي ليصبح التحدي الأمني الأبرز الذي يواجه شمال إفريقيا ودول الساحل.
مؤخراً خلال عام 2026 صعدت الجماعة من مواجهاتها العسكرية المباشرة ونفذت هجمات منسقة واسعة النطاق استهدفت البنية التحتية الأمنية، وفرضت قيوداً اقتصادية صارمة كإحكام الحصار على إمدادات الوقود، وسيطرت على جيوب جغرافية، كما عمدت إلى عقد شراكات تكتيكية مع حركات مسلحة وتجمعات عِرْقية أخرى مما أدى إلى تغيير جذري في المشهد الأمني في عدة دول أبرزها مالي وبوركينافاسو.
أيضاً يوفر ارتباط الجماعة بتنظيم القاعدة استمرارية أيديولوجية وروابط خارجية محدودة، ومع ذلك، تعمل الجماعة باستقلالية كبيرة، وتُكيّف أساليبها مع الواقع العرقي والاجتماعي على أرض الواقع، وهذا التوجه اللامركزي نسبياً جعل التهديدات التي تكتنف تحركاتها أكثر خطورة.
وما سبق يثير التساؤلات حول قدرة تكيف الجماعة مع التطورات الأمنية وإعادة إنتاج نفسها كقوة قادرة على التأثير في مسار الأحداث من أجل تحقيق هدف يتمثل بإنشاء منطقة نفوذ جغرافية خاضعة ليس فقط للسيطرة العسكرية من قِبَلها وإنما لنظام سياسي واجتماعي شامل يشكل ما يشبه سلطة موازية.
أولاً: نشأة الجماعة
تأسست جماعة نصرة الإسلام والمسلمين رسمياً في مارس/ آذار 2017، إثر اندماج تنظيمات مسلحة رئيسية كانت تنشط في شمال مالي ووسطها، وشمل هذا التحالف المندمج جماعة أنصار الدين التي استقطبت بالأساس عناصر من مجتمع الطوارق في الشمال، وجبهة تحرير ماسينا والتي حشدت تأييداً واسعاً بين أوساط مجتمعات الفولاني في مناطق الوسط، إضافة إلى تنظيم المرابطون الذي امتاز بخبرته الطويلة في تنفيذ العمليات المعقدة، ومنطقة الصحراء التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي التي وفرت شبكات الارتباط العابرة للحدود(1).
وأعلنت القيادة الموحدة فور تشكيل التحالف ولاءها للقيادة المركزية لتنظيم القاعدة متمثلة بأيمن الظواهري وقد تولى إياد أغ غالي، مستفيداً من تاريخه الطويل وخبرته العميقة في الحركات السياسية والمسلحة للطوارق منذ التسعينيات، القيادة العامة للتحالف.
في حين سمحت هذه الهيكلية القيادية بدمج الموارد والتخطيط العسكري المشترك مع الحفاظ على استقلالية الفصائل المحلية للتعامل مع الظروف الميدانية المتغيرة، مما أسفر عن كسر الحواجز العِرْقية والمركزية بنجاح وبناء جبهة متماسكة.
ومن المهم الإشارة إلى أن ظهور جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم يمثل ولادة لحركة أيديولوجية جديدة بالكامل، بل كان تتويجاً مؤسسياً لشبكات مسلحة متمرسة استفادت من الانهيار الأمني والسياسي البنيوي الذي ضرب مالي إثر أزمة 2012(2). فعلى الرغم من نجاح التدخل العسكري الفرنسي عبر عملية سرفال عام 2013 في استعادة السيطرة على المراكز الحضرية الكبرى، تفرقت العناصر المسلحة في المناطق الريفية والحدودية النائية، حيث أعادت بناء قدراتها التنظيمية وتكيفت مع إستراتيجية تمرد لامركزية مهدت الطريق لاحقاً لتشكيل الجماعة المندمجة وتطوير شبكاتها بعيداً عن رقابة الدولة(3).
ثانياً: مناطق الانتشار والتأثير
شهدت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين منذ إعلان تأسيسها تحوُّلاً جذرياً في نطاق تموضعها الجغرافي متجاوزة نطاقها التقليدي في شمال مالي لتصبح فاعلاً مسلحاً إقليمياً يمتد نفوذه عبر مساحات شاسعة، وتتبنى الجماعة إستراتيجية جغرافية مرنة تتجنب السعي نحو السيطرة الترابية المطلقة أو الاحتفاظ الدائم بمساحات واسعة، مفضلة عوضاً عن ذلك إحكام قبضتها على الممرات الإستراتيجية، والمجتمعات الريفية، وطرق النقل الحيوية، والمناطق الحدودية الرخوة التي تتسم بغياب أو ضعف سلطة الدولة.
وقد مكنتها هذه المرونة الحركية من استيعاب الضغوط العسكرية المكثفة وتوسيع نطاق عملياتها باستمرار في عدة دول رئيسية أبرزها كما يلي:
1. مالي
لا تزال تمثل مركز الثقل والمسرح العملياتي الأهم للجماعة، حيث حافظت على حضور قوي في مناطق الوسط والجنوب لا سيما منطقتَيْ تمبكتو Timbuktu وموبتي Mopti مستفيدة من التضاريس المعقدة، وتمكنت مؤخراً من نقل مركز أنشطتها نحو محيط العاصمة باماكو، من خلال استغلال الديناميكيات المحلية المعقدة وتوظيف كتيبة ماسينا لتعميق روابطها مع شرائح من مجتمع الفولاني، والانخراط في النزاعات المحلية بين الرعاة والمزارعين، مما أتاح لها تأسيس أنظمة موازية للوساطة وجمع الضرائب وفض النزاعات دون الحاجة للحفاظ على تواجد عسكري دائم في كل قرية.
وقد بلغ نشاط الجماعة ذروته في إبريل/ نيسان 2026 حينما هاجمت بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد مقرات الجيش المالي. وقد طالت هذه الهجمات مراكز ثقل إستراتيجية تمتد من العاصمة باماكو وقاعدة كاتي Kati العسكرية، وصولاً إلى سيفاري Sevare بوسط مالي وكيدال Kidal شمالها[4).
2. بوركينافاسو
تُعَدّ المسرح الرئيسي الثاني لعمليات الجماعة وبؤرة استنزاف حادة للقوات النظامية، ويُعتقد أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي أو تمارس نفوذاً كبيراً عليها، حيث تنشط في 11 من أصل 13 منطقة في البلاد.
ونفذت الجماعة في هذه المناطق عمليات اشتباك متكررة مع القوات الحكومية والميليشيات الرديفة، مصحوبة بهجمات خلفت أعداداً هائلة من الضحايا بشكل خاص في بوركينافاسو، حيث تبرر الجماعة ذلك بأنه رد فعل على التعبئة المضادة التي تقوم بها الدولة والانتهاكات والفظائع واسعة النطاق ضد مجتمع الفولاني(5).
3. النيجر
تدريجياً امتدت أنشطة الجماعة بكثافة نحو غرب وجنوب غرب النيجر، متركزة في مناطق تيلابيري Tillabéri التي تشكل مع التخوم المالية والبوركينية منطقة المثلث الحدودي المعروفة باسم ليبتاكو غورما Liptako-Gourma. وتعتبر الجماعة هذه المنطقة الإستراتيجية مسرحاً عملياتياً متكاملاً لا تقيده الحدود السياسية، مما يتيح لمقاتليها تنفيذ ضربات مباغتة ثم الانسحاب بسرعة لنقل الأفراد والمعدات عبر الحدود لتجنب الملاحقة(6).
وقد تطورت هجمات الجماعة في النيجر لتشمل استهداف البنى التحتية، حيث وصلت بعض التوغلات إلى تخوم مطار العاصمة نيامي، مما عقّد من قدرة القوات الحكومية على تأمين خطوط الإمداد، وترافق ذلك مع اشتباكات عنيفة مع الفصائل التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية التي تنافسها النفوذ في ذات الرقعة الجغرافية.
4. شمال إفريقيا
لا تقتصر طموحات الجماعة على دول الساحل، بل وجهت أنظارها نحو الدول في شمال إفريقيا وغربها كالجزائر وموريتانيا، لا سيما أن للجماعة جذوراً جزائرية من خلال أعضائها الذي قادوا ومازالوا مرتبطين بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي المتمركز في الجزائر(7).
لكن فاعليتها في هذه الدول تبقى أقل مقارنة بدول الساحل؛ لأنها تفضل تجنُّب الجبهات المفتوحة والمكلفة، مفضلة بدلاً من ذلك نسج شبكات لوجستية متينة وتجنيد العناصر من المجتمعات الحدودية مستغلة الامتدادات العرقية إلى جانب استثمار وتأمين طرق التهريب.
وتؤكد البيانات الإحصائية الصادرة حتى عام 2025 انخراط الجماعة في أكثر من 16 ألف حادث عنف مسلح منذ تأسيسها، مع تسجيل تصاعد حادّ في وتيرة هذه الهجمات ونطاقها ومسرحها منذ مطلع عام 2024(8).
ثالثاً: التحول من التعبئة إلى التحرك
- لم يكن تحوُّل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من مجرد تحالُف يركز في مراحله الأولى على التعبئة وبناء الهياكل التنظيمية إلى قوة ضاربة قادرة وليد الصدفة بل كان عبارة عن خطة استثمار مدروسة في الأحداث وطبيعة تغيُّر المشهد السياسي والأمني.
اعتمد هذا التحول العميق على مزيج متقن من المرونة المالية، وتطوير آليات تجنيد لامركزية، والتكيف العسكري التكتيكي، فضلاً عن الاستغلال المنهجي لحالة عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية التي عصفت بالمنطقة.
كما أسهمت الظروف البنيوية الإقليمية في تسهيل تشكيل التحالف وتوسُّعه اللاحق، فقد شكلت الفجوات المزمنة في الحوكمة، وضعف التواجد الحكومي في المناطق الطرفية، وتفشي الفساد، والبطالة بين الشباب، والنزاعات المتكررة حول الأراضي والموارد الطبيعية، بيئة خصبة مكَّنت الجماعة من تقديم نفسها كجهة بديلة توفر الأمن وتفصل في النزاعات.
وعلى النقيض من التنظيمات المتطرفة المسلحة السابقة والتي كانت ترتهن غالباً للدعم الخارجي وتعاني من محدودية القدرات، تمكنت الجماعة من بناء منظومة معقدة ومتنوعة للتمويل والتجنيد واللوجستيات والإدارة المحلية، مما كفل لها الحفاظ على زخمها العملياتي وتصعيده رغم الحملات العسكرية المضادّة والمستمرة.
وقد شكّل الاستقلال المالي والقدرة على تأمين مصادر تمويل ذاتية ومستدامة الركيزة الأساسية لهذا التصعيد العسكري، فقد نجحت الجماعة في إرساء آليات مالية متعددة ومتبادلة التعزيز تعفيها من الاعتماد على الرعاة الخارجيين. ففي المناطق التي تراجعت فيها سلطة الدولة، فرضت الجماعة نظاماً ضريبياً منهجياً استهدف تجار الماشية، وناقلي البضائع، والإنتاج الزراعي، وأنشطة استخراج الذهب، والحركة التجارية عبر الطرق الريفية الحيوية.
وغالباً ما كانت تبرر هذه الضرائب كواجبات دينية أو كرسوم مقابل توفير الحماية وفض النزاعات، وإلى جانب الضرائب، انخرطت الجماعة في تنظيم عمليات واسعة لسرقة الماشية وإعادة توجيهها نحو الأسواق الحدودية، علاوة على فرض إتاوات على شبكات التهريب التي تنقل الوقود وقطع الغيار والمهاجرين والبضائع المهربة عبر الصحراء، ما مكنها من تأمين السيولة النقدية اللازمة لشراء الأسلحة المتقدمة ومعدات الاتصال(9).
على صعيد التعبئة، شكل التجنيد الدعامة الثانية للتحول نحو الهجوم المستدام، حيث مزجت الجماعة ببراعة بين الخطاب الأيديولوجي والمحفزات البراغماتية المباشرة، فلم تعتمد على التلقين العقائدي، بل كيفت خطابها لتلامس الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المحلي.
ففي المجتمعات الريفية، استقطبت الجماعة الشبان الذين يعانون من البطالة، ولديهم نقمة ناتجة عن التجاوزات التي ترتكبها بعض القوات الأمنية والميليشيات الرديفة للأنظمة الحاكمة، وقد برز ذلك في قدرة الجماعة على توظيف التوترات العرقية، لا سيما مظالم مجتمعات الفولاني الرعوية في مواجهة الجماعات الزراعية المنافسة، مقدمة نفسها كدرع واقٍ لتلك الفئات المهمشة وموفرة لعناصرها رواتب منتظمة وتسليحاً ومكانة اجتماعية.
ولدعم هذا التوسع العددي، أنشأت الجماعة مرافق تدريب موثقة في مالي وبوركينافاسو تركز على رفع الكفاءة القتالية واستخدام الأسلحة النارية وتكتيكات الوحدات الصغيرة، وأثمرت هذه التحضيرات اللوجستية والبشرية عن تطوُّر وتكيُّف عسكري لافت (10).
وانتقلت الجماعة من كونها تعتمد في سنواتها الأولى على الكمائن البسيطة والعبوات الناسفة والغارات المحدودة، إلى تنفيذ هجمات متزامنة ومعقدة تشارك فيها مئات العناصر وتستهدف مواقع موزعة جغرافياً. ومن المحطات البارزة في هذا التطور التكتيكي سلسلة الهجمات المنسقة التي ضربت مواقع متعددة في غرب مالي خلال عام 2025، وصولاً إلى الهجوم الواسع في إبريل/ نيسان 2026، وقد أظهرت هذه الهجمات نضجاً تكتيكياً تمثل في استخدام التكنولوجيا الحديثة للاستطلاع الدقيق، وتوظيف المركبات المفخخة والانتحارية لاختراق التحصينات.
لم يكن لهذا التحول العملياتي أن يحقق غاياته لولا الهيكلية القيادية اللامركزية التي تبنتها الجماعة، حيث تبقى التوجيهات الإستراتيجية العليا حكراً على القيادة المركزية، مع تفويض الصلاحيات العملياتية والتكتيكية للقادة الإقليميين وللكتائب المحلية.
وأتاحت هذه اللامركزية استجابة سريعة للفرص والتهديدات الميدانية، وحافظت على تماسك التنظيم حتى عند فقدان الاتصال المركزي، وقد مكن هذا النمط القيادي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من ترسيخ مكانتها كواحدة من أقدر وأخطر التنظيمات المسلحة.
رابعاً: آثار تزايُد أنشطة الجماعة
أحدث التوجه المتصاعد لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين نحو العمليات الهجومية تداعيات فورية عميقة عبر مسارح عملياتها، وأنتج تمدُّدها آثاراً على سلطات الدول التي تنشط بها إلى جانب تغيير موازين القوى في عدة مناطق متضررة من النزاع، ومن أهم هذه الآثار:
1. سياسياً
في ظلّ غياب أو ضعف المؤسسات الحكومية، سعت الجماعة إلى إرساء أنظمة حوكمة موازية تشمل محاكم محلية تستند إلى تفسيرها الخاص للشريعة، وآليات لفض النزاعات، وأنظمة ضريبية، مما يعزز نفوذها السياسي ويقلص من الحضور الرمزي والفعلي للدولة.
2. عسكرياً
شكلت هجمات الجماعة ضغطاً حادّاً ومستمرّاً على القدرات العملياتية للقوات المسلحة الحكومية، مجبرة إياها على توجيه موارد ضخمة نحو حماية القواعد العسكرية بدلاً من فرض الأمن والتنمية. وفي مالي تحديداً، واجهت السلطة المركزية تحديات وجودية مع اشتداد الهجمات التي قيدت حركة الأفراد والبضائع نحو العاصمة باماكو.
أما في بوركينا فاسو، فقد أدت الضغوط العسكرية المتوازية إلى تآكُل مصداقية السلطات الحاكمة، وأشعلت دورات من العنف الانتقامي الذي أدى إلى تحشيد مجتمعات محلية ضد الدولة، ودفع هذا الواقع الميداني المعقد العديد من المجتمعات المحلية إلى إبرام صفقات أو ترتيبات غير رسمية مع الجماعة، تستبدل من خلالها الامتثال والانصياع بخفض مستوى الأعمال العدائية، ما أدى إلى تقويض نفوذ الدولة المركزية وترسيخ الهياكل الموازية.
في حين تستمر النيجر في مواجهة تهديدات متداخلة من الجماعة ومنافسيها من تنظيم الدولة الإسلامية، مما يُعقد جهود الاستقرار ويعمق من الأزمة الإقليمية ويستنزف الموارد العسكرية للقوات الحكومية وحلفائها.
3. على الصعيدين الإنساني والاقتصادي
تسببت أعمال العنف والعمليات الهجومية المتزايدة في موجات نزوح جماعي واسعة، حيث فرت العائلات من العنف المباشر أو خضعت لشروط التنظيم لضمان سلامتها، وترافق ذلك مع تعطُّل الإنتاج الزراعي، وإغلاق المدارس والمرافق الصحية، وفرض قيود صارمة على الحريات الشخصية.
كما أدى استهداف محاور النقل والتدخل في الصناعات الاستخراجية ومسارات الماشية إلى حرمان خزائن الدول من الإيرادات، وتعميق الأزمات المعيشية التي توفر بدورها بيئة خصبة للمزيد من التجنيد.
4. دولياً
التحركات والأنشطة التي تقوم بها الجماعة باتت تؤثر على الإستراتيجيات الأمنية لدول كبرى في المنطقة وأبرزها روسيا وقوات فيلق إفريقيا التابع لها، والذي ينتشر في دول الساحل بشكل عام ويقدم وظيفياً حماية للمجالس العسكرية الحاكمة هناك.
وعليه وُضع فيلق إفريقيا أمام خيار المواجهة المباشرة مع الجماعات المتمردة والمتطرفة، وهذا الأمر له حساباته الإستراتيجية لصانع القرار الروسي إذ يدرك أن الدخول بمواجهة مفتوحة مع التنظيمات الإرهابية في إفريقيا قد ينقل التهديد إلى داخل الأراضي الروسية، ولذلك تحاول روسيا حتى الآن عدم الانخراط بقتال شرس مع التنظيمات المتطرفة بما فيها الجماعة مكتفية بتقديم الحماية الأمنية للشخصيات والمقار الأمنية الرئيسية.
5. على صعيد التحالفات
تحوُّل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين غيَّر من خريطة التحالفات المحلية والإقليمية في مناطق الساحل وشمال إفريقيا وغربها، وهو ما أظهره التنسيق العالي للعمليات بينها وبين حركة تحرير أزواد في مالي حيث تم تقسيم جبهات الهجوم بين الطرفين، بالإضافة إلى التوافق على إدارة المناطق المسيطر عليها حديثاً بما يؤطر لاتفاقات سياسية لتقاسم نفوذ الحكم في حال تمكنت الجهتان من إسقاط نظام الحكم في مالي.
وهذا التحالف ما بين جماعة تُعَدّ متطرفة وتنظيم آخر يُعَدّ متمرداً أو ثورياً يُدخل متغيراً جديداً إلى خارطة التحالفات المحلية بين التنظيمات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة في المنطقة، أي أنه تم استبعاد الخلافات الأيديولوجية مقابل تحقيق مصلحة مرحلية.
خامساً: الخُلاصة
تطورت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لتصبح تنظيماً يتجاوز نفوذها العنف المسلح ليشمل الحكم والنشاط الاقتصادي والديناميات السياسية المحلية، وقد مكّنتها مرونتها التنظيمية وإستراتيجيتها التكيفية وقدرتها على استغلال بيئات الدول الهشّة من البقاء واحدة من أكثر الحركات التابعة لتنظيم القاعدة قدرةً على مستوى القارة الإفريقية والعالم أيضاً.
(1)“Jama'a Nusrat ul-Islam wa al-Muslimin (JNIM)”, UN Official Website, 4 October 2018. Link
(2)“A timeline of northern conflict”, ReliefWeb, 7 April 2012. Link
(3)"مالي: عام على عملية سرفال العسكرية"، فرانس 24، 10 يناير/ كانون الأول 2014. الرابط
(4)"أزمة مالي بين أدوار الفاعلين المحليين والخارجيين وآفاق الصراع". مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية، 20 يونيو/ حزيران 2026. الرابط
(5)“Jama’at Nusrat al-Islam wal-Muslimin (JNIM)”, Armed Conflict Location & Event Data (ACELD), 13 November 2023. Link
(6) المصدر السابق.
(7)“Is Mali about to fall to al-Qaeda affiliate JNIM?”, AL Jazeera, 6 November 2025. Link
(8)“Understanding JNIM’s Expansion Beyond the Sahel”, Crisis Group, 20 February 2026. Link
(9)“JNIM Expands Frontlines with a Coordinated Offensive Across Western Mali”, The Soufan Center, 15 July 2025. Link
(10)“Jama’at Nusrat al-Islam wal Muslimeen (JNIM)”, The Counter Extremism Project (CEP), Accessed: 7 July 2026. Link




