المفاوضات "اللبنانية – الإسرائيلية" بعد جلسة واشنطن في سياق إعادة تشكيل التوازُنات

المفاوضات "اللبنانية – الإسرائيلية" بعد جلسة واشنطن في سياق إعادة تشكيل التوازُنات

2026-04-18
98 مشاهدة
Download PDF

لا يمكن فصل جلسة التفاوض التي عُقدت في واشنطن بين وفدين لبناني وإسرائيلي برعاية أمريكية عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه المنطقة، حيث يتقاطع التصعيد العسكري مع محاولات فتح مسارات سياسية موازية لإدارته. الجلسة بحدّ ذاتها لم تُنتج اتفاقاً، ولم تُفضِ حتى إلى تهدئة مؤقتة، لكنها دشّنت انتقالاً نوعياً في شكل إدارة الصراع، من قنوات غير مباشرة إلى مسار تفاوُضيّ معلَن، يُدار تحت ضغط النار، لا في ظلّ وقفها.  

ويمكن الاعتقاد أن ما حصل في واشنطن لم يكن جولة تفاوُضية تقليدية، بل لحظة تثبيت إطار سياسي جديد، يُراد له أن يستمر ويُبنى عليه، حتى في ظلّ استمرار العمليات العسكرية. هذا التحول بحد ذاته يشكّل إنجازاً "أمريكياً–إسرائيلياً"، لأنه كسر الحاجز السياسي للتفاوض المباشر، وأدخل لبنان في مسار لم يكن ليذهب إليه في ظروف طبيعية، فيما دخلت الدولة اللبنانية الجلسة وهي تدرك محدودية قدرتها على فرض شروطها، وفي مقدّمها وقف إطلاق النار، الذي طُرح لبنانياً ورُفض إسرائيلياً بشكل واضح.  

المسار التفاوضي كإطار لإدارة الصراع  

المسار الذي أُطلق في واشنطن لا يقوم على قاعدة إنتاج حلّ، بل على تنظيم الصراع ضِمن إطار سياسي طويل الأمد. الولايات المتحدة تدير هذا المسار باعتباره عملية تراكمية، هدفها الانتقال تدريجياً من التهدئة إلى ترتيبات أكثر عمقاً، فيما تتعامل إسرائيل معه كأداة مرافقة للعمل العسكري، تسمح لها بمواصلة الضغط الميداني بالتوازي مع إبقاء قناة سياسية مفتوحة.  

في هذا السياق، يصبح التفاوض جزءاً من منظومة إدارة الأزمة، لا مدخلاً لإنهائها. فالميدان لا ينتظر نتائج الطاولة، بل يسبقها ويعيد رسم شروطها، وهو ما يفسّر الإصرار الإسرائيلي على الاستمرار في العمليات، وعلى رفض ربطها بأي التزام سياسي. هذا التلازم بين المسارين يعيد تعريف وظيفة التفاوض، بحيث يتحول إلى أداة لتكريس الوقائع، لا لمناقشتها.  

بالنسبة إلى لبنان، يشكّل هذا المسار محاولة لتفادي الأسوأ أكثر مما هو سعي لتحقيق مكاسب. فالدولة تدخل التفاوض تحت ضغط مزدوج، عبر ضغط عسكري مباشر، وضغط دولي يدفع نحو الانخراط في المسار السياسي، ما يجعل قدرتها على المناورة محدودة، ويضعها في موقع رد الفعل أكثر من الفعل.  

دلالات جلسة واشنطن وحدودها  

الجلسة التي عُقدت في واشنطن عكست بوضوح طبيعة التوازنات التي تحكم هذا المسار. فقد نجحت في تثبيت مبدأ التفاوض المباشر، وفي إطلاق عملية يُراد لها أن تستمر، لكنها فشلت في تحقيق أي اختراق فعلي، لا في ملف وقف إطلاق النار ولا في القضايا الإنسانية أو الأمنية الملحّة.  

الأهم من ذلك، أن الجلسة أظهرت بوضوح أن السقف الإسرائيلي للمفاوضات يتجاوز بكثير السقف اللبناني، وأن المقاربة الأمريكية تميل إلى هذا السقف، أو على الأقل لا تعارضه. إدراج ملف سلاح حزب الله كعنصر مركزي في النقاش، مقابل غياب أي التزام بوقف العمليات العسكرية، يعكس اتجاه المسار نحو معالجة قضايا بِنْيوية، لا مجرد إدارة اشتباك حدودي.  

في المقابل، خرج لبنان من الجلسة من دون ضمانات، مكتفياً بتسجيل موقفه، ما يعكس حدود قدرته على التأثير في مسار يُدار أساساً من قِبل أطراف تملك أدوات الضغط الفعلية. هذا الاختلال لا يعني فقط ضعف الموقف التفاوضي، بل يطرح سؤالاً حول قابلية أيّ تفاهُم مستقبلي للتنفيذ في ظلّ هذه المعادلة.  

التفاوض كمدخل لإعادة تعريف الداخل اللبناني  

أحد أبرز أبعاد هذا المسار يتمثل في كونه يتجاوز العلاقة مع إسرائيل ليطال البِنْية الداخلية اللبنانية. فالمسار المطروح لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو ترسيم الحدود، بل يتجه نحو إعادة تعريف موقع الدولة في مقابل حزب الله، من خلال الدفع نحو حصر القرار الأمني والعسكري بيدها.  

هذا الطرح يضع الدولة أمام معضلة معقّدة، إذ إن الانخراط الجدي فيه يفتح الباب أمام مواجهة داخلية، في حين أن تجاهُله يفرغ التفاوض من مضمونه. حزب الله من جهته، يتعامل مع هذا المسار على أنه مباشر ويرفضه من أساسه، معتبراً أنه محاولة لفرض شروط سياسية لم تُفرض في الميدان.  

هذا التباين لا يبقى في الإطار السياسي، بل يمتد إلى مستوى القدرة على التنفيذ، حيث إن أيّ التزام لبناني في ملفات حسّاسة كملفّ السلاح أو الترتيبات الأمنية، سيصطدم بواقع داخلي منقسم، ما يجعل قابلية تطبيق أيّ اتفاق موضع شك، وهو ما تدركه إسرائيل وتبني عليه.  

السلوك الإسرائيلي: التفاوض كغطاء لتكريس الوقائع  

المقاربة الإسرائيلية تقوم على استثمار اللحظة العسكرية إلى أقصى حدّ، مع استخدام التفاوض كغطاء سياسي وليس كقيد. العمليات الميدانية لا تتراجع، بل تتصاعد بالتوازي مع المسار التفاوضي، في محاولة لفرض واقع جديد في الجنوب، يتجسد في فكرة المنطقة العازلة، وإعادة ترتيب البيئة الأمنية جنوب الليطاني.  

في هذا الإطار، لا يبدو أن إسرائيل معنية بالتوصل إلى اتفاق سريع، بل على العكس، تستفيد من الوقت الذي يتيحه المسار التفاوضي لتعزيز مكاسبها، مع الحفاظ على حدّ أدنى من الانخراط السياسي لتفادي الضغوط الدولية. هذا السلوك يجعل من التفاوض عملية مرافقة للعمليات، لا بديلاً عنها، ويحوّل أيّ اتفاق محتمل إلى نتيجة مباشرة لما يُفرض على الأرض.  

السيناريوهات المحتملة  

المسار الذي أُطلق في واشنطن يفتح الباب أمام مجموعة من السيناريوهات التي لا تتعارض بالضرورة، بل قد تتقاطع أو تتدرج زمنياً وَفْق تطوُّر المعطيات:  

أولاً: في المدى القريب، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار التفاوض تحت النار، حيث تبقى الجولات التفاوضية قائمة، من دون أن تؤدي إلى اختراق فعلي، فيما يستمر التصعيد العسكري بوتيرة متفاوتة. في هذا السياق، يتحول التفاوض إلى أداة لإدارة الصراع، تُستخدم لتبادل الرسائل وتخفيف الضغوط، من دون أن تُغيّر في جوهر المعادلة. هذا السيناريو يمنح كل طرف ما يحتاجه مرحلياً: إسرائيل تواصل عملياتها وإنْ بشكل متقطع، الولايات المتحدة تحافظ على مسار سياسي، ولبنان يتجنب الانهيار الكامل، من دون أن يحقق أيّ تقدُّم حقيقي.  

ثانياً: على المدى المتوسط، يبرز احتمال انتقال المسار إلى تهدئة مؤقتة، إذا ما تلاقت ضغوط دولية مع تطوُّرات إقليمية، وخصوصاً في حال حدوث تقدُّم في المفاوضات "الإيرانية–الأمريكية". في هذه الحالة، قد يتحول الملف اللبناني إلى جزء من تسوية أوسع، تُفرض من خارج حدوده، ويُعاد ضبطه ضِمن إطار إقليمي، يربط وقف إطلاق النار بترتيبات أمنية وسياسية تدريجية.  

ثالثاً: في مقابل ذلك، لا يمكن استبعاد سيناريو فرض تسوية بالقوة، حيث تنجح إسرائيل في تحقيق مكاسب ميدانية كافية تتيح لها فرض شروطها على طاولة التفاوض، بما يشمل إنشاء منطقة عازلة دائمة، وفرض آليات رقابة مشددة، وربما إدخال تعديلات جوهرية على قواعد الاشتباك. في هذا السيناريو، يصبح التفاوض مجرد أداة لإضفاء شرعية سياسية على نتائج عسكرية.  

في الداخل، يبقى خطر الانفجار قائماً، خصوصاً إذا ما تطور المسار التفاوضي باتجاه ملفات حسّاسة كملفّ سلاح حزب الله. أيّ محاولة لفرض هذا المسار من دون توافُق داخلي قد تؤدي إلى توتُّر سياسي أو أمني، يعيد خلط الأوراق ويعطّل العملية التفاوضية برمتها.  

رابعاً: أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتمثل في انهيار المسار بالكامل، نتيجة تصعيد ميداني واسع أو فشل متكرر للجولات التفاوضية، ما يعيد الصراع إلى نقطة الصفر، ويفتح الباب أمام مواجهة أوسع، قد تتجاوز الساحة اللبنانية.  

خُلاصة  

جلسة واشنطن لم تكن بداية حلّ، بل بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع، تُستخدم فيها السياسة كامتداد للميدان، لا كبديل عنه. المسار التفاوضي القائم يعكس اختلالاً واضحاً في موازين القوى، ويُدار ضِمن رؤية "أمريكية–إسرائيلية" تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع اللبناني تدريجياً. 

في هذا السياق، لا تبدو التسوية قريبة، بقدر ما يبدو أن المنطقة أمام مرحلة طويلة من التفاوض المتوازي مع التصعيد، حيث تبقى النتائج رهينة لتوازُنات أكبر من الساحة اللبنانية نفسها، وتتحدد بقدر ما يتغير في الإقليم، لا بقدر ما يُقال على طاولة المفاوضات.