المسارات المحتملة للحرب الإيرانية

المسارات المحتملة للحرب الإيرانية

2026-03-02
23 مشاهدة
Download PDF

تمهيد  

منذ الساعات الأولى للهجمات المشتركة الأمريكية والإسرائيلية على إيران أواخر فبراير 2026، بدَا بشكل واضح أن هذه الموجة ستكون مختلفة عن موجات التصعيد السابقة عامَيْ 2024، و 2025، نظراً لأن الهجمات الأولية استهدفت تصفية قيادات الصفّ الأول وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، ومستشاره ورئيس مجلس الدفاع الإيراني علي شمخاني، بالإضافة إلى قائد الحرس الثوري الجنرال محمد باكابور، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، ورئيس الأركان عبد الرحيم الموسوي.  

على الرغم من الضربات الموجعة والمبكرة التي تلقتها إيران خلال المواجهات الحالية، إلا أنها بالمقابل أظهرت قدرتها على الاحتفاظ بمركزية القرار عَبْر تشكيل ما يشبه مجلس القيادة المؤقت الذي يضم رئيسَ مجلس الأمن القومي (أعلى منصب أمني في إيران) ورئيسَ الجمهورية وفقيهاً ممثلاً عن مجلس خبراء القيادة، كما أن الضربات الإيرانية على القواعد العسكرية في المنطقة، بالإضافة إلى الهجمات الصاروخية ضد إسرائيل أوحت بأن طهران لديها إمكانيات عسكرية قد تساهم في رفع التكلفة على الطرف الآخر.  

نستعرض في تقدير الموقف هذا المسارات المحتملة للحرب الإيرانية وهي على الشكل التالي:  

1. حسم الحرب سريعاً:  

قد نشهد سرعة في حسم الحرب وَفْق الرؤية الأمريكية، وفي هذه الحالة من المحتمل أن نشهد عودة قريبة إلى طاولة التفاوض تحت ضغط الخسائر العسكرية والميدانية، وهذا يقتضي ضِمناً أن تعطي القيادة الجديدة في إيران مؤشرات أولية على موافقتها على تقديم تنازُلات في 3 ملفات رئيسية، الأول التخلص من مخزونها النووي، والثاني تفكيك برنامجها الصاروخي، والثالث فكّ الارتباط بالأذرع الإقليمية وتحديداً ضِمن لبنان والعراق.  

تراهن إدارة ترامب فيما يبدو على تحقُّق هذا السيناريو تحت ضغط الضربات الخاطفة والمؤثرة للغاية، والتي تعتقد أنها أدت إلى فتح المجال أمام خلل في عمل منظومة المؤسسات الإيرانية، وبالتالي تجنّب سيناريو الحرب المفتوح الاستنزافية، كما أن من ضمن العوامل التي قد تدعم هذا السيناريو تصدر المشهد الإيراني لشخصية أقرب للتيار المعتدل وهو علي لاريجاني رئيس مجلس الأمن القومي.  

2. الانزلاق باتجاه حرب موسَّعة:  

من غير المستبعَد أن تنزلق الأمور باتجاه حرب موسعة يصعب التكهن بمدتها، مع استمرار القيادة الإيرانية الجديدة لخيار التفاوض في المرحلة الحالية [1] ، وتوسيع إيران لدائرة القصف الصاروخي ليشمل دولاً عديدة في المنطقة تُصنَّف على أنها من حلفاء الولايات المتحدة، الأمر الذي يعطي انطباعاً بأن إيران تريد توجيه رسائل تؤكد عدم استعدادها للتفاوض تحت النار، ولديها القدرة على رفع التكلفة، ودفع دول الإقليم المتضررة للدخول على خط التفاوض من أجل الحفاظ على أمنها وإنتاجها للطاقة، وبالتالي لا تكون المفاوضات مقتصرة على تقديم إيران للتنازلات مقابل وقف التصعيد.  

في حال اتجه التصعيد الحالي إلى حرب موسعة على الأرجح لن تقتصر على المواجهات المباشرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل غالباً سنشهد تحرُّكات لأطراف محلية بدعم دولي من أجل تقليص قدرات وكلاء إيران في المنطقة، وخاصة حزب الله اللبناني، بالإضافة إلى خيار توسيع نطاق العمليات "الأمريكية – الإسرائيلية" لتطال قيادات من أذرع إيران في العراق [2] .  

من غير المستبعَد أيضاً أن تشهد الحرب -في مرحلة لاحقة حال لم تتوقف- عودة انخراط جماعة الحوثي اليمنية في التصعيد، خاصة فيما يتعلق بتهديد ممرات الطاقة في البحر الأحمر، وهذا قد يستلزم رداً دولياً.  

من المحتمل أن نرى دخول أطراف أخرى على خطّ الحرب وإنْ كان بشكل غير معلَن، للاستثمار فيها ضمن لعبة ضبط التوازنات الدولية، والحديث هنا بشكل رئيس عن الصين القادرة على تزويد إيران بصواريخ فرط صوتية دقيقة تساعد طهران في زيادة خسائر إسرائيل والولايات المتحدة، وتضمن لها نفساً أطول في المواجهة الحالية [3] .  

3. سيناريو خفض التصعيد والتحوُّل لتغذية اضطرابات داخلية:  

من الوارد أن تتجه الولايات المتحدة وإسرائيل إلى خيار خفض التصعيد وليس إنهاء المواجهة بالكامل، بحيث تستمر الضربات المتبادلة ضمن إيقاع منخفض، لكن بالتوازي مع هذا التوجه لتغذية اضطرابات داخلية في إيران من خلال عدة خُطوات، مثل تشديد خناق العقوبات الاقتصادية لدفع موجة مظاهرات جديدة، والعمل على إضعاف سيطرة وتحكم الجيش في المحافظات ذات الكثافة الكردية غرب إيران أو وسطها، من أجل فتح المجال لنشاط الجماعات الكردية المسلحة المناهضة لنظام الحكم الإيراني [4] ، بالتوازي أيضاً مع دعم تحرُّكات مماثلة في المناطق البلوشية ضمن إيران، مع وجود قدرة للخيار الأخير عَبْر باكستان التي تقيم ضِمنها مجموعات من جيش العدل البلوشي.  

الخُلاصة  

من الواضح أن الجولة الحالية من التصعيد لم تنطلق من أجل أن تتوقف على غرار تلك التي سبقتها في منتصف 2025، ونحن أمام مؤشرات واضحة على رغبة أمريكية بتغيير الأوضاع في إيران، سواء من خلال فتح المجال أمام تغيير بهرم القيادة بعد التخلص من القيادات المتشددة، وبالتالي فتح المجال أمام وصول شخصيات معتدلة جاهزة للتفاوض، أم عبر العمل المتواصل من أجل تقويض القدرات الإيرانية بالخيار العسكري باستهداف مخزون الصواريخ الإيراني، ودعم تفكيك الأذرع الإيرانية الإقليمية.  

من المحتمل وجود تبايُن بين رؤية كل من إدارة ترامب وإسرائيل لأهداف الحرب الحالية على الرغم من دخول الحرب بشكل مشترك، ففي وقت يظهر أن إدارة ترامب تبحث عن عملية تغيير في قيادة إيران والتخلص من نفوذها في الإقليم وتهديدها لحلفاء الولايات المتحدة، قد تفضل تل أبيب سيناريو التفكك من خلال الاستمرار في إضعاف الجيش وقدرة سيطرته على البلاد مما يسمح لحركات التمرد بزيادة نشاطها وانفتاح إيران على تدخُّلات دولية واسعة.  

ولا يجب إغفال العوامل الأخرى المؤثرة في مسار الحرب، ومنها مواقف الدول الإقليمية التي لديها القدرة على التأثير في القرار الأمريكي، فمن غير المستبعَد أن تدفع عديد الدول باتجاه خفض التصعيد والعودة إلى خيار التفاوض من أجل الوصول إلى حلول وسط؛ لأن هذه الدول ستكون متضررة من التصعيد، كما أنها لا ترحب بأن تفرض إسرائيل رؤيتها بخصوص الحرب مع إيران لأن تل أبيب تُشكِّل أيضاً تهديداً إقليمياً، لكن أيّ عودة لطاولة المفاوضات لن تكون وَفْق ذات السقوف المحددة قبل اندلاع الحرب الحالية.  

 


[1] لاريجاني: لن نتفاوض مع الولايات المتحدة، وترامب يجر المنطقة إلى الفوضى، القدس العربي، 2 مارس 2026،      الرابط  

[2] الحكومة اللبنانية تحظر أنشطة حزب الله العسكرية، العربي الجديد، 2 مارس 2026،      الرابط  

[3] إيران تقترب من امتلاك صواريخ صينية أسرع من الصوت، وكالة رويترز، 24 فبراير 2026،      الرابط  

[4] قصف الفرقة 28 في مدينة سنندج غرب إيران التي يقطنها المكون الكردي، 2 مارس 2026،      الرابط