إعادة هيكلة الحشد الشعبي تعيد رسم موازين القُوَّة في العراق

إعادة هيكلة الحشد الشعبي تعيد رسم موازين القُوَّة في العراق

2026-06-06
85 مشاهدة

يمثل التوجه نحو إخراج بعض الفصائل المسلحة من المِظٕلّة الرسمية للحشد الشعبي نقطة تحوُّل مفصلية في المشهد العراقي؛ لأنه يتجاوز مسألة إعادة ترتيب مؤسسة أمنية إلى محاولة إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقُوَى المسلحة التي برزت خلال العقد الماضي. فالقضية لا تتعلق بقرارات إدارية أو تنظيمية فحسب، وإنما بمستقبل احتكار الدولة لأدوات القُوَّة، وبكيفية إعادة توزيع النفوذ داخل البيئة السياسية الشيعية، فضلاً عن انعكاساتها على التوازنات الإقليمية والدولية المرتبطة بالعراق.

وتكتسب هذه التطوُّرات أهميتها من كونها تُمثّل أول محاولة جدية لدفع عدد من الفصائل الرئيسية نحو الانتقال من العمل المسلح إلى العمل السياسي والمؤسساتي بصورة أكثر وضوحاً. غيرَ أن هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء تلك الفصائل أو فقدانها الكامل لنفوذها، إذ إن العديد منها يمتلك شبكات سياسية واجتماعية واقتصادية واسعة قد تسمح له بالحفاظ على تأثيره حتى في حال تخليه عن جزء من أدواره العسكرية؛ لذلك فإن نجاح المشروع لا يُقاس بالإعلانات السياسية وحدها، بل بمدى قدرة الدولة على فرض ترتيبات عملية تتعلق بالسلاح والقيادة والتمويل والبِنْية التنظيمية.

ويبدو أن الحكومة العراقية تسعى إلى إدارة هذا الملفّ عَبْر مقاربة تدريجية تعتمد التفاهمات السياسية أكثر من الإجراءات الصدامية؛ لتجنُّب خلق أزمة داخل المكون الشيعي أو دفع الفصائل الرافضة إلى خيارات أكثر تشدُّداً. كما أن وجود آليات تنسيق بين القُوى السياسية والجهات المعنية بملف الحشد يعكس إدراكاً بأن أيّ تحوُّل واسع النطاق يحتاج إلى توافُق داخلي يحدّ من احتمالات الانقسام أو المواجهة المباشرة.

في المقابل، من المرجَّح أن يؤدي انخراط بعض الفصائل في هذا المسار إلى زيادة الضغوط على الجهات التي لا تزال متمسكة بالاحتفاظ بالسلاح خارج الأُطُر التقليدية للدولة، فهذه الفصائل ستجد نفسها أمام واقع سياسي جديد قد يضعها في مواجهة مع جزء من حلفائها السابقين، ويجعل استمرارها في النهج الحالي أكثر كلفة سياسياً. ومع ذلك، لا تشير المعطيات الحالية إلى اقتراب صدام عسكري واسع، بل إلى استمرار محاولات التأثير عبر الأدوات السياسية والإعلامية والتنظيمية بهدف إبطاء عملية التحول أو تعديل مسارها.

ومن بين أبرز التحديات التي قد تواجه هذا المشروع احتمال ظهور مجموعات أصغر وأكثر تشدُّداً ترفض التسويات القائمة، فالتجارب المشابهة تشير إلى أن عمليات إعادة الهيكلة لا تؤدي دائماً إلى إنهاء جميع البنى المسلحة، بل قد تدفع بعض العناصر إلى العمل ضمن شبكات أقل مركزية وأكثر صعوبة في المتابعة والاحتواء، وهذا يفرض على الدولة العراقية تحدياً مزدوجاً يتمثل في معالجة أسباب التفكك ومنع انتقال السلاح إلى مسارات غير رسمية جديدة.

إقليمياً، تتعامل إيران مع التطورات بحسابات دقيقة تجمع بين الحفاظ على نفوذها وتجنُّب الدخول في مواجهة مفتوحة حول هذا الملف، ويبدو أن طهران تميل إلى التكيف مع المتغيرات الجديدة عبر تعزيز أدوات التأثير السياسية والاقتصادية، مع المحافظة على علاقاتها مع القوى الأكثر قرباً منها. وفي الوقت نفسه، تدرك أن أي تراجع في الصفة الرسمية للفصائل الحليفة سيؤثر على هامش نفوذها داخل العراق، ما يدفعها إلى السعي لإدارة التحول بدلاً من منعه بالكامل.

أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها اختباراً عملياً لمدى قدرة بغداد على فرض سلطة الدولة على الملف الأمني؛ ولذلك فإن تقييمها لن يعتمد على التصريحات أو التفاهمات السياسية، بل على النتائج الملموسة المرتبطة بخفض نفوذ السلاح خارج المؤسسات الرسمية وتعزيز سيطرة الدولة على المنظومة الأمنية.

في المحصلة، يقف العراق أمام مرحلة انتقالية قد تعيد رسم موازين القُوّة الداخلية للمرة الأولى منذ سنوات طويلة. فإذا تمكنت الحكومة من تحويل هذه العملية إلى إصلاح مؤسسي فعلي، فقد تقترب البلاد من ترسيخ مبدأ احتكار الدولة للسلاح وتعزيز استقرارها السياسي.

أما إذا بقيت الإجراءات محدودة أو شكلية، فإن النفوذ المسلح قد يستمر بأشكال جديدة أقلّ وضوحاً وأكثر تعقيداً، ما يعني استمرار أحد أبرز التحدِّيَات التي واجهت الدولة العراقية منذ عام 2003.